القاضي عبد الجبار الهمذاني

365

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : فيحب أن يحسن الشكر على هذا الوجه أيضا . قيل له : غير ممتنع ذلك : لأن المنعم بعد إنعامه يجوز أن يحبطه « 1 » بندم أو غيره ، ويحسن ذلك من أهل العقول شكره عند ظنهم أنه على ما كان عليه . فإن قال : فيجب أن تحسن منا العبادة مع الظن كما تحسن مع العلم . قيل له إنها لا تحسن إلا مع العلم لعلة تخصها لا لأن الظن لا يقوم مقام العلم في تحمل المضار أو في فعلها بالغير على وجه الاستحقاق . والعلة في ذلك أنها إنما تحسن لكونها لطفا إلا مع المعرفة على ما قدمناه من قبل . فإن قال : إذا كان هذا الضرر يحسن لأنه مستحق وإذا لم يعلمه كذلك ، لم يأمن أن يكون غير مستحق فيقبح منه . قيل له : إذا ظنه مستحقا فقد أمن ذلك كما إذا علمه كذلك فقد أمن هذا الوجه على ما بيناه من أن الظن في حسن المضار للنفع ودفع الضرر يقوم مقام العلم . واعلم أن أقوى ما يقال في المذهب الثاني أن الضرر إذا حسن لأنه مستحق ، فمعلوم من حاله أنه لا ينتقل من حسن إلى قبح بفقد المنافع ودفع المضار . ومتى قبح لأنه غير مستحق ، لم ينتقل / إلى حسن بالمنافع والمضار ، فصار ماله يحسن من الاستحقاق ، وله يقبح من فقد ذلك بمنزلة قبح الكذب لأنه كذب وحسن الخبر إذا كان صدقا واقعا على وجه مخصوص . وإذا ثبت ذلك لم يجز أن يكون للظن فيه مدخل ، كما لا مدخل له في حسن الكذب . ولا يقوم مقام العلم بأنه صدق . فلو كان في الضرر الّذي يحسن للاستحقاق ويقبح لفقده أن يقال إن للظن فيه مدخلا « 2 » ، ليجوزن أن يقال إن له مدخلا في حسن الكذب والجهل إذا ظن فيهما ما لو علمه لحسنا لأجله . ونحن نتقصى الكلام في بقية هذا الباب في الوعيد .

--> ( 1 ) أي يبطل ثوابه . ( 2 ) في الأصل مدخل .